
طوال الليل الفائت وأثناء القصف "الإسرائيلي" على جميع مناطق القطاع من شماله إلى جنوبه، لم تفتر القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية، للبحث عن طريقة مناسبة أو غير مناسبة، تهدف إلى وقف إطلاق النار أو مجرد تهدئة بين الجانبين الإسرائيلي ومقاتلي الجهاد الإسلامي، وفي الوقت نفسه، سارعت وزارة الخارجية من خلال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة "رون بروسور" إلى تقديم رسالة احتجاج (قوية)، إلى الأمين العام للأمم، عقب (الهجمات الصاروخية) من "قطاع غزة" باتجاه "إسرائيل" والطلب بإدانة صريحة وواضحة للمنظمات (الإرهابية) ومطلقي الصواريخ.
وذلك بعد سلسلة دامية، من الهجمات الإسرائيلية على القطاع، أسفرت عن عشرة شهداء معظمهم من كوادر من حركة الجهاد الإسلامي، وعدداً آخر من المصابين، كان استشهد خمسة منهم بواسطة طائرة هجومية(إسرائيلية) بعد ظهر أمس على أفراد يعتبرون من كوادر الحركة، في منطقة رفح جنوب قطاع غزة، وبزعم أنهم كانوا يستعدون لإطلاق صواريخ على أهداف إسرائيلية، واستكمالاً لتلك العملية، فإن الجيش الإسرائيلي هاجم عدة مرات خلال المساء من اليوم نفسه، شملت أيضاً مقاتلي الحركة في جنوب وشمال القطاع، حيث ردت الحركة على الهجمات الإسرائيلية الهمجية، بصورة تلقائية، مع بعض المنظمات الأخرى، ومنها كتائب الشهيد "أبوعلي مصطفى"، وذلك من خلال إطلاق زخات متواصلة من صواريخ (غراد) وقذائف الهاون على مناطق مختلفة في العمق الإسرائيلي، شملت المناطق الشرقية "بئر السبع" والشمالية عسقلان(المجدل) واشدود وغيرها، وذلك وفقاً للاستراتيجيات الموضوعة للطريق المقاوم أولاً، وللرد على التعديات الإسرائيلية في كل زمان ومكان ثانياً، بعد أن كان وعد رئيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بأن منظمته سوف تنتقم، من كل نشاط عسكري للجيش الإسرائيلي ضد قطاع غزة.
وكانت نجمة "داوود الحمراء "ومصادر طبية إسرائيلية، قد أعلنت أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين، سقطوا مساء اليوم في مدينة اسدود، جراء إصابة صواريخ (غراد)، أطلقت من قطاع غزة أصابت أحد المباني الإسرائيلية مباشرة، وقالت المصادر إن نجمة داوود الحمراء في منطقة "لخيش" أعلنت عن وجود عدد كبير من الإصابات في عملية القصف فيما اشتعلت النيران في المبنى، وقالت مصادر أمنية إسرائيلية، إن إسرائيلياً قُتل وأصيب آخر بجراح خطيرة، جراء القصف للمبنى في اسدود، فيما أصيب العشرات بجراح طفيفة وحالات الهلع واشتعلت النيران في عشرات السيارات.
ذلك من شأنه إحداث المزيد من الأضرار المقلقة في الجانب الإسرائيلي، كما ورد عن المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي، بينما حث البريغادير جنرال "مردخاي" حماس على صد الحركات التي تهاجم (إسرائيل) على أنها هي التي تسيطر على قطاع غزة، وأشار إلى أن النظام السياسي "بحاجة لمعرفة أين تذهب الأمور، وفيما إذا كان هناك تصعيد، فمن الممكن أن يقوم الجيش الإسرائيلي بشن حرب حقيقية، (ومشيراً) إلى أنه "ليس هناك مصلحة في هذا الوضع"
كانت (إسرائيل) تخشى من أن تمتد العمليات العسكرية إلى فترة أطول، وتوضح ذلك من خلال أقوال قائد المنطقة الجنوبية وقيادة الجبهة الداخلية، الكولونيل "دورون مور يوسيف" الليلة الماضية حين قال:" إننا في الوقت الذي تتصاعد فيه العمليات العسكرية المتبادلة، فإننا لا زلنا نجهل كم من الوقت سوف تستمر هذه العمليات، نحن نقدر أن التصعيد سيستمر في اليوم القادم وربما في الأيام المقبلة، ومن شأن ذلك أن يضر بإسرائيل".
وكان قال رئيس الوزراء الإسرائيلي "نتانياهو": إن الأطراف في القطاع سيستمرون بدفع الثمن" أما وزير حربه "باراك" الذي قال:" سنعمل كل ما في وسعنا، ونقترح على كل من حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، عدم اختبار قدراتنا". كما أن قادة جيش الاحتلال مازالوا يستعرضون الخطط التنفيذية، لاستمرار العمليات ضد قطاع غزة,
ومن جانبها قالت "تسيبي لفني" (من المعارضة)، بشأن لملمة الوضع المتأزم، يجب التحضير لحرب واسعة لقطاع غزة وقال "شاؤول موفاز" يجب تصفية عناصر حماس والجهاد الإسلامي
رئيس هيئة الأركان الجنرال "بيني غانتس"، خلال مشاورات مع كبار قادة الجيش، حيث قال أنه بالرغم من الضرر الذي حصل لمنظمة الجهاد الإسلامي من شدة هجمات الجيش الإسرائيلي، إلاّ أن الضرر طال(إسرائيل) من خلال سقوط إسرائيليين في مناطق متفرقة في " غان يفنه وأشدود"، وإثارة الهلع العام لدى الجمهور الإسرائيلي، ولكن ذلك لن يثنينا عن مواصلة الدفاع عن (إسرائيل).
لكن في الحقيقة أن كان هناك المزيد من الخشية الإسرائيلية، من أن تنزلق الأمور إلى أبعد من ذلك، وكما اتضح من خلال الوقائع على الأرض، وبناءً على تعليمات سياسية وعسكرية عليا، فقد طار وفداً إسرائيلياً مختصاً، إلى مصر للتواجد هناك طوال ساعات الليل، في العاصمة المصرية "القاهرة"، للعمل على إيجاد مخرج من الأزمة، من خلال الحصول على قرار بوقف إطلاق النار والحفاظ على تثبيته، من خلال الدور المصري الفعال والمعمول به لدي المنظمات الفلسطينية، وظل هناك حتى حصوله على (هدنة) ووقف لإطلاق النار منذ السادسة من صباح اليوم الأحد، ليتم تجديده في العاشرة من مساء اليوم نفسه.
إذاً فلماذا سعت (إسرائيل) هرولةً وبهذه السرعة لمثل طلب التهدئة، وبهذا الشكل، بالرغم من التصريحات النارية، التي صدرت من أقطاب الحكومة وحتى المعارضة في (إسرائيل)؟
رغم كل التصريحات، فإنه ولاشك هناك عدداً من الأسباب التي جعلت (إسرائيل) تدع كل ذلك جانباً، وتدعو إلى التهدئة والتمسك بها، ولعل من أبرزها: اعتمادها على مثل هذا النوع من العمليات "القنص المنظم"، وعلى فترات متباعدة، كونها عمليات جراحية جزئية، تأثيرها لدى الشارع الفلسطيني والعربي أقل، وبالتالي فمن السهل الحصول على هدنة (بلا ثمن) وبمساعدة آلتها الحربية، التي مهمتها مواصلة القصف في أعقاب العملية الأم، وطائراتها الاستكشافية التي تحد من سرعة الرد الجهادي، أو مع بعض الأثمان البسيطة، التي بوسع إسرائيل تقبلها لتكون أقرب إلى الهدنة المجانية.
وهناك أمر ثان، هو أن الإدارة في إسرائيل لا تقو على تحمل الضربات الصاروخية الجهادية، التي تتقاطر على رؤوس الإسرائيليين ليلاً ونهاراً، لأن من شأنها، أن توقف الحياة الإسرائيلية عموماً، ليس في المناطق المستهدفة فقط، وإنما سينسحب على كل المناطق لما لهذا النوع من العمل العسكري، من امتدادات اقتصادية وسياسية ونفسية بالغة"، وخاصة بعدما شهدت(إسرائيل) في هذه المرة وبالذات، تطورات غير معهودة في الرد من قبل حركة الجهاد من حيث السرعة والأداء وآليات الرد، الذي على ضوئه تمت إجراءات أيضاً غير معهودة من قبل السلطة السياسية والجيش في إسرائيل، حيث تم إغلاق المؤسسات العامة والمحال والمؤسسات الأكاديمية والمدارس المختلفة، حيث تعطل أكثر من 200 ألف طفل وطالب في المراحل الدنيا والمتوسطة، والذين هم في المناطق النائية عن مدارسهم، حيث فرض إغلاق جميع المدارس، والتي هي على بعد 40 كيلومتراً من محيط قطاع غزة، فضلاً عن دخول أكثر من مليون إسرائيلي الملاجئ، هرباً من الجحيم الصاروخي.
وأيضاً إن عمليات إسرائيلية المركبة مثل (الاجتياحات) أو (العمليات العسكرية الكبرى)، طويلة الأجل، فبالإضافة إلى الانتقادات والاحتجاجات الحادة من قبل المجتمع الدولي، كما حصل من قبل الكثير من الدول وخاصةً "تركيا"، فإن من شأنها أيضاً وبقوةٍ أكبر تعزيز النقمة الحاصلة لدى الشعوب العربية، الناقمة أصلاً، وخاصة الجارة مصر، وأيضاً خوفاً من تأجيج الوضع معها منذ الوقت المبكر، في الوقت الذي تسعى فيه (إسرائيل) إلى نيل الحظوة، لدى القيادة المصرية الجديدة، أو المحافظة على ما تم التوصل إليه ومنذ التوقيع على اتفاقيتي السلام بينهما في العام 1979، على الأقل، وحتى المحافظة على أن لا يكون لها صدىً يُذكر على الجوانب الإيجابية والممكنة في الوقت الحاضر وأقلها الجانب الاقتصادي، ذلك ما يُحتم على قادة (إسرائيل) السياسيين والعسكريين، اعتماد العمليات العسكرية الإسرائيلية الجزئية، لعدم الحاجة إلى بذل المزيد من الأضرار والتداعيات المترتبة عليها، واعتبارها من المشاكل الروتينية العادية ومن ذوات العمليات الأقل ضرراً، وسترجعها كما في كل مرة، إلى استهداف جهاديين ينوون إلى أعمال جهادية ضد (إسرائيل).
وهناك أمر مهم في هرولة (إسرائيل) نحو التهدئة وتثبيتها، وهو فشل ما يُسمى "بالقبة الحديدية" الأمريكية- الإسرائيلية وعدم نجاعتها، في التصدي للصواريخ الفلسطينية عموماً، سواءً صواريخ (غراد) أو صواريخ (القسام) وغيرها، فكانت هذه القبة التي كانت يُنتظر منها حماية إسرائيل، كانت هي نفسها تحتاج إلى حماية.
وكانت إسرائيل قد عمدت إلى نصب ثلاث أنظمة لبطاريات "القبة" التي عكف عليها الجيش الإسرائيلي، سنين طويلة كواحدة من الأنظمة، التي يتم الاعتماد عليها في مواجهة الصواريخ الفلسطينية، حيث تم نصب بعضها لتغطية المناطق الإسرائيلية من الجهة الشرقية والشمالية لقطاع غزة، حيث تمركز بعضها في المنطقة الشرقية "بئر السبع"، وأخريات موجودة في المنطقة الشمالية، أشدود، والمدن المجاورة، بهدف إحباط عمليات وصول الصواريخ إلى التجمعات السكنية، ولكنها لحد الآن، أخفقت تماماً من أن تعترض أي من الصواريخ الفلسطينية، ولعل هذا الأمر، إلى جانب الآلية الجديدة والمفاجئة والأسلحة الأكثر تطوراً (تكنولوجياً)، التي ردت من خلالها حركة الجهاد الإسلامي على العملية الإسرائيلية، ومن ضمنها (راجمات الصواريخ) ولأول مرة، ربما تكون سبباً مباشراً، في كبح جماح الجانب الإسرائيلي وتخليه عن التصعيد، ولو كانت (لإسرائيل) القدرة على التمادي ومواصلة الحرب في ذلك لما فوّتت لحظة ولما استجدت مصر طلباً للهدنة، هذه الآلية العسكرية الجديدة لحركة الجهاد، هي بلا شك، جعلت الساسة والعسكر في (إسرائيل) في خالة تخبط واضطراب، وأيضاً هي ذاتها التي جعلت من "القبة الحديدية" هذه قبةً (مُقعرة) التي لا تنفع إلاّ لجمع الهزائم الإسرائيلية من الآن فصاعداً.