
إذًا وبعدَ أن أُفرجَ عنهم، وخرجوا للحياةِ بعدَ أن طالَ عناقُ حوائط السجنِ لهم، بعدَ أن توقّفت حياتهم عن المسير، حتى ملامحهم التي كان عليها النموّ وكان عليها أن تحملَ همّ الحياةِ وشقائها توقفتْ عندَ أوّل يومٍ لهم في السجن، لا شيءَ كان يصلُهم بالحياةِ الخارجية سوى ذلك الصندوق الصغير (التلفاز) الذي يرون فيه ما يريدُ القائمين عليه أن يشاهده الناظر، وأحيانًا يُحرموا منه إن كانوا قد قضوا في عزل انفرادي سنوات كثيرة مثل ذلك الأسير الذي جلسَ ثلاثة عشرَ عامًا في العزل الانفرادي (عويضة كُلّاب)، وحتى إن رؤوا إلى أينَ وصلَ العلم والتقدّم في الخارج، فلا يُمكن لهم أن يصدّقوا ما يحدث لأنهم لم يستخدموا حاسة اللمس هنا، وإن كان هناك أجهزة اتصال محمولة في السجون، لكنها لم تكن على قدر آخر ما توصل له العلم حديثًا.
اليوم وبعدَ أن خرجَ الأسرى من سجونهم، تقدّمت لهم الهدايا وكانت منها هاتف محمول قدّمته شركة جوّال لهم، وبدا للأسرى للوهلة الأولى أنه جهاز للاتصال فقط، كيفَ يُستخدم؟ ماذا يجبُ عليه أن يفعل كيّ يتصل؟ كيفَ يستخدم الكاميرا؟ كُل هذه الأسئلة كان على أحدٍ ما أن يجيبَهم، ربّما هذه السنوات الطويلة التي أبعدتهم عن العالم الخارجي، كانت كفيلة بتشكيل فجوة عميقة بينهم وبينَ وسائل وتسهيلات الحياة الجديدة، لا بل وقدْ تضحكُ للمرّة الأولى، ثمّ تتألم عندما تُجالسُ أسيرًا مُحرّرًا، ويرنّ هاتفه بنغمةٍ معيّنة، فتراهُ ينتفضْ، إذ أنه لم يتعوّد على ما يُحدثه الهاتف من ارتجاج عند الاتصال ومن صوتٍ عالٍ، وهو بالمُقابل يشعرُ بالخجلِ الشديد منكَ، لكن سُرعانَ ما تُطمئنه بأنه سيتعوّد على كلّ هذا في الفترة القادمة أكثر.
أحد المُفرجْ عنهم والذين قضوا في السجنِ ثمانية عشرَ عامًا، سألته هل تعرفُ بالانترنت؟ (كنوع من الفضول ولخلق مادة حديث إليه) أجابني بأنه سمعَ عنهُ كثيرًا من خلال التلفاز، وسكتَ قليلًا ثمّ سألني: "هل تمتلكُ واحدًا؟ " تحرّجتُ من سؤاله، وأخذت أفكّر بصعوبة الإجابة عن مثل هكذا أسئلة، إذّ أنّه ربّما لم يعاصر أصلًا جهاز الحاسوب، كيّ أُخبره أنها شبكة وأنّ... الخ ، لكني أجبتهُ سريعًا: "سأقومُ بتعليمكَ على واحدٍ منهم كيّ تستخدمه فيما بعد؟" لم يكن الأمر هامًا عنده كثيرًا، وتجاوزَ الحديث عن الأمر وأخذ يتحدث في السياسة والسجن ومعاناته، لكنه لا يعرفُ أن تعريفَ الأميّ الجديد في كوكبنا، هو ذلك الذي لا يُتقنُ استخدام لغة الانترنت، ولا يعرفُ أنّ البيت الذي يخلو من جهاز الحاسوب، هوَ بيتٌ جاهل في هذه الأيّام (غالبًا).
أتساؤل، أمثال هؤلاء، كيفَ عليهم مجاراة التقدّم العلمي والوسائل الجديدة! كيفَ سيُتقنوا استخدام الأجهزة المُطوّرة والتي أصبحت جزءً لا يتجزّأ من حياتنا اليومية، كيفَ سيتعاملوا مع كل هذا بلا تدرّج واضح الملامح مثلنا، يبدو أن عليهم مهمة صعبة خلال الأيام القادمة، إذّ أنهم حتى هذه اللحظة يستقبلوا التهاني والتبريكات بعودتهم، وستكونُ تلكَ الأيام التي يبدؤوا فيها بالتفرّغ لمشاريعهم المستقبلية صعبة جدًا، لأنهم سيكونونَ مضطّرين لمجاراة كلّ هذا، بل وسيتولّد عندهم شغفٌ كبيرٌ كأطفالٍ حديثي الولادة يرغبونَ في تعلّم والتعرّف على كلّ شيء.
الأسير المُحرّر أبو خليل التكروري (48 عام) من أريحا والمُبعد إلى غزة يقول لي: "أجدُ كثيرًا من التفاصيل في زمنكم هذا، أعتقدُ أننا أطلنا البقاء داخل السجن، وتغيّر علينا الزمن، ولابدّ لنا أن نعرفَ الكثيرَ الكثيرَ من الأشياء الآن"
أثناء تجاوّلي مع أحد الأسرى المُحرّرين والمُبعدين إلى غزة، سألتُ أحدهم عن مدى معرفته بالفيس بوك، الموقع الاجتماعي الذي غزا الشبكة العنكبوتية، وغزا أوقات الكثير من الشباب والقيادات السياسية والكُتّاب وما إلى ذلك، فأجابني بأنّه يعرفه من خلال التلفاز أيضًا، إذ أنه السبب الذي كان يقف خلفَ الثورات العربية الأخيرة، لكنه لا يعرفُ كيفَ ذلك، وأتبعَ ساخرًا: "لا أعرفُ كيفَ يقفُ موقع على الانترنت خلفَ ثورات بهذا الحجم وهذه الإطاحة التي خلّفتها" فكانَ لي أن أخبره بأنها وسيلة استخدمها الشباب للدعوة للاعتصامات والتنديدات والتحريض وما إلى ذلك، فأخذ يُحدّثني عن معاناتهم في الماضي أيّام الانتفاضة الأولى عندما كانوا يقوموا بالدعوة لإضراب ما أو مقاطعة أو شيء من هذا القبيل، من خلال مناشير تُوزّع، أو أنهم كانوا يرشّون الكلامَ على الحوائطِ في الليل، ويا ويلَ من يُمسكُ به، يُسجنُ على الفور ويُحكم على الأقل أربعة سنوات، لكنّه عرّج على أنّ الشباب في هذه الأيام يبدو أنها استطاعت أن تلتفّ على التكنولوجيا التي أوجدها لهم الغرب كيّ يقوموا بثورات من هذا النوع...
إذًا هناكَ مهمّة على هؤلاء الأسرى... تقتضي هذه المهمة أن يعملوا على مجاراة ما توصّل له العلم من تسهيلات في الحياة، كيّ ينعموا بها من جديد، إذ أنني ولأول مرة أشعرُ من خلال هؤلاء الأسرى أننا في نعيم بما نمتلك من تكنولوجيا، يكفي أن صوتهم يصلُ لكم من خلال هذه التكنولوجيا... وسيكونوا يومًا مثلي يجلسونَ على حاسوب ويخاطبونكم مباشرةً وبلا أيّ عائق كان، لا سجّان ولا شيءَ ممنوعٌ عليهم بعدَ اليوم.