
بين حين وحين , تغزو فكري صورًا مشرقة ,لأحداثٍ لزمنٍ ليس بعيدًا ,أحداثٍ في طفولتي ,تنتعش بها ذاكرتي , لتبدو واضحة جليّة وكأنّها تحدث الآن , أو حدثت للتّوّ , صورة رجال يرتدون العقال والكوفية , يتسامرون في أفنية بيوتهم , يتذاكرون ماضيهم بحلوه ومرّه,يتقاسمون الزّاد , فالخبز من بيت أبي أحمد , والملح من بيت أبي ماجد , والزيت من بيت أبي تيسير , والقهوة من بيت أبي مازن , أيديهم بجيوب بعضهم بعضا , أكبر مشكلة تصغر في عيون هؤلاء العظام , بكلمة واحدة منهم , ينتهي الخصام , وتقتل الضّغائن والأحقاد , وتعود القلوب إلى صفائها ونقائها , وتسكنها المودّة ويعمرها الحب والوئام .
صورة أخرى ما زالت محفورة في جدران ذاكرتي , مجموعة في ريعان الشباب , تطارد بين الأزقّة , تقارع المحتلّ بحجارة مباركة , تتسابق أيديهم لتلتقط الحجر الأخير لإلقائه نحو المحتل , ودعوات النّساء لهم بالسلامة والحماية والنصر ,إذا ما سقط الشهيد ,تعالت التكبيرات والزّغاريد, وشارك في الزّفة الأشيب والوليد , الأبواب مفتوحة , مشرّعة على مصراعيها لتكون البيوت كلها مأوى لهم , الشّباب يتدافعون إلى المستشفى للتبرع بدمائهم للجرحى, امتزجت الدّماء في العروق , الدم واحد , الهدف واحد , المصير واحد , والدّافع واحد , حبّ الوطن , ولا شيء غير الوطن .
في مسقط رأسي , وفي مكان كانت فيه نشأتي , تجلّت معاني الأُخُوّةِ والمودّة , وتوقير الكبير , وينحني الشّيخ ليطبع قبلة على يد طفل صغير , أتيت بصور الماضي المشرقة , لتمحو ظلمة الفتنة المحرقة , حتى متى الانتظار؟ لنزيل عن تلك الصور الخدوش والغبار , لتبدو واضحة جليّة , هكذا تكون صور الأحرار ... هكذا تكون صور الأحرار .